ساسي سالم الحاج

18

نقد الخطاب الاستشراقي

معالجة هذا الموضوع وبيان الصعوبات التي تكتنفه حتى نقدم الحجج والبراهين العلمية للتدليل على صحة ما ندعيه . فتعريف الشيء هو بيان عناصره الأساسية التي يتكون منها . ومن هنا تأتي صعوبة التعريف نظرا لطبيعته المؤقتة . فنحن لا نستطيع أن نعرّف كل شيء لأننا لا نستطيع معرفة الخصائص الحقيقية لهذا الشيء . وكثيرا ما يعاد النظر في تعريف الشيء ، وتنقيحه وتحويره بصورة مستمرة . « فمفهوم الشيء » هو دائما مفتوح على الأقل في بداية تكوينه ، ولكنه بمرور الزمان وتغيير الأحوال ، وتجدد المعارف فإنه يتسع وأحيانا يضيق ، وغالبا ما يغاير ما كان مسلما به طبقا لاتساع وضيق وتحديد معارفنا . والتطبيق العملي يرينا كم من « علم » تغيّر تعريفه نتيجة بنيانه على قواعد غير صحيحة . وربما يقول قائل : ما قولك في التعاريف الواردة في علم الرياضيات ؟ أليست من الدقة بمكان بحيث لا نستطيع القول بعدم تغييرها ؟ . والجواب : إن ذلك يعود في حقيقته إلى ثبات الأرقام والأشكال . ولكن ما ذا لو كان التعريف يحتوي على الألفاظ والخصائص الفنية الأخرى ، والعناصر الأساسية التي يتكون منها ، فهل يكون علم الرياضيات بمنجاة من الوقوع في خطأ التعريفات ؟ . هناك صعوبة أخرى فنية تؤيد وجهة نظرنا حول نبذ « التعريف » وهو أنه يجب على الباحث أن يفرق بدقة ووضوح بين الغاية من التعريف من جهة ، وبين طرقه من جهة أخرى ، لأن الخلط بين الغاية من التعريف وطرائقه يؤدي إلى الخطأ والغموض . وبذلك فإنك إذا قرأت لكاتبين عن قضية معينة فستجد أنهما لا يقصدان إلى غاية واحدة ، وكل يبتغي بتعريفه غرضا معينا . ومن هنا تختلف بداهة الطرق والوسائل المؤدية إلى هذين الغرضين المختلفين . وهذا الاختلاف مصدره كما أشرنا آنفا هو هل نريد بالتعريف أن نحدد كيف يتركب « الشيء » ؟ ! . أو نريد أن نحدد به معنى « اسم » الشيء ؟ ! . فإذا كنا نقصد إلى تحديد « الشيء » لا اسمه ، فعندئذ لا نلتفت إلى الرمز أو الكلمة التي تطلق على ذلك الشيء ، لأننا نريد غالبا معرفة : ممّ يتألف ذلك « الشيء » ؟ أما إذا قصدنا من التعريف تحديد « الاسم » وليس « الشيء » فعندئذ نسعى إلى تحديد رمز معين ، في استعمال معين ، حتى ولو لم يكن هناك « شيء » في عالم الأشياء الواقعة يشير إليه ذلك الرمز الذي نريد تحديده « 1 » .

--> ( 1 ) IBRAHIM MADKOUR ; L'organon d'Aristote dans le monde arabe ; J . URIN , PARIS . P . 109 , S . D .